الشنقيطي

100

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

هذه الآية الكريمة يفهم من دليل خطابها أي مفهوم مخالفتها أنهم إن حلوا من إحرامهم ، جاز لهم قتل الصيد ، وهذا المفهوم مصرح به في قوله تعالى : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا ، يعني إن شئتم كما تقدم إيضاحه في أول هذه السورة الكريمة . قوله تعالى : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً [ 95 ] ، الآية . ذهب جمهور العلماء إلى أنّ معنى هذه الآية الكريمة : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً لقتله ذاكرا لاحرامه ، وخالف مجاهد - رحمه اللّه - الجمهور قائلا : إنّ معنى الآية : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً لقتله في حال كونه ناسيا لإحرامه ، واستدلّ لذلك بقوله تعالى : وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ، كما سيأتي إيضاحه إن شاء اللّه تعالى . وقد قدّمنا في ترجمة هذا الكتاب أنّ من أنواع البيان الّتي تضمّنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا ، ويكون فيها قرينة دالّة على عدم صحّة ذلك القول ؛ وإذا عرفت ذلك فاعلم أنّ في الآية قرينة واضحة دالّة على عدم صحّة قول مجاهد رحمه اللّه ، وهي قوله تعالى : لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ ، فإنّه يدّل على أنّه متعمّدا أمرا لا يجوز ، أمّا الناسي فهو غير آثم إجماعا ، فلا يناسب أن يقال فيه : لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ ، كما ترى ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ [ 96 ] الآية . ظاهر عموم هذه الآية الكريمة يشمل إباحة صيد البحر للمحرم بحج أو عمرة ، وهو كذلك ، كما بينه تخصيصه تعالى تحريم الصيد على المحرم بصيد البر في قوله : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ [ المائدة : 96 ] ، فإنه يفهم منه أن صيد البحر لا يحرم على المحرم ، كما هو ظاهر . * * * مسائل تتعلق بالاصطياد في الإحرام أو في الحرم المسألة الأولى : اجمع العلماء على منع صيد البر للمحرم بحج أو عمرة . وهذا الإجماع في مأكول اللحم الوحشي كالظبي والغزال ونحو ذلك ، وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد والدلالة عليه ، لما ثبت في الصّحيحين من حديث أبي قتادة رضي اللّه عنه ، « أنه كان مع قوم من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو حلال وهم محرمون ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم محرم أمامهم ، فأبصروا حمارا وحشيا وأبو قتادة مشغول يخصف نعله فلم يؤذنوه ، وأحبوا لو أنه أبصره فأبصره فأسرج فرسه ؛ ثم ركب ونسي سوطه ورمحه فقال لهم : ناولوني السّوط والرّمح ، فقالوا : واللّه لا نعينك عليه ، فغضب فنزل فأخذهما فركب فشدّ على الحمار فعقره ثم جاء به ، وقد مات فوقعوا فيه يأكلونه ، ثم إنّهم شكوا في أكلهم